تكِّي

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

رسالة نصية تكتبها على عجل لصديقك تحدد فيها مكانا و زمانا جديدين لموعدكما ، ثلاث ضغطات على الزر
نفسه ليظهر حرف “الخاء” أربع ضغطات أخرى على زر ثان ليظهر حرف “اللام” الأمر بات مملاً مع هذه الهواتف
التقليدية ، لم تكن فكرة التخلي عن هاتفك نوكيا تراودك من قبل ، جهاز صمد كل هذه المدة و قدم لك كل ما
احتجته من اتصالات و رسائل نصية لسنوات تسابقت مع أصدقائك لشراء اصداراتها الجديدة ، 6 من كل عشرة
هواتف حملها المستهلكون حول العالم كانت من صنعها ، لكن الأمر يتجاوز الآن مهام الاتصال و الرسائل ، منذ
الإعلان عن آيفون الذكي قبل سنوات بشاشة اللمس الكبيرة ، و الذي يجمع مشغل الموسيقى و الاتصال
بالانترنت بالهاتف الخلوي ، حينها لم يعد هاتف نوكيا التقليدي اختراعا عصرياً ، الجميع أصبحوا بحاجة لجهاز
أسرع و أذكى ، رغم إخلاصهم لمنتجات نوكيا و تصميماتها و متانتها و أنغامها التي ألفوها.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

هل تذكر أسمائها الدارجة في الأسواق العربية ، باندا و الدمعة و العنيد ، شركاتك المفضلة تتأخر بإصدار ذكي
منافس ، بشاشات اللمس التي تحلم بها ، و في اليو التالي ، ستتجه إلى أقرب متجر للهواتف الذكية و
ستقتني هاتفاً ذكياً جديداً ، الوقت لا ينتظر و هذا عصر السرعة كما تعلم.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

لم يكن متصوراً أن نوكيا ستتراجع أمام منافسيها بهذه السرعة ، هذه الشركة العملاقة التي سيطرت على ما
يقارب نصف سوق الهواتف المحمولة حول العالم كانت تعيش اخر ايام مجدها ، ثورة تقنية جديدة كانت تهددها
إنه آيفون الذكي من شركة أبل ، منافس لم يكن في حسبان كبريات شركات الهواتف ، يليه جهاز جالاكسي
من شركة سامسونج الكورية الجنوبية ، هاتفان سيسرقان الانظار بعيدا عن نوكيا و اصداراتها ، سنوات قليلة
حتى تنحصر مبيعات نوكيا بصورة هائلة ، رغم محاولاتها مواكبة عالم الهواتف الذكية ، لأول مرة عام 2010
ميلادي ، كانت محاولة متأخرة ، سامسونج تدخل السوق بقوة و تطيح بنوكيا بعدها بأعوام قليلة ، والشركة
العملاقة تودع أمجادها و تتراجع إلى الصفوف الخلفية بسرعة كبيرة ،
هو عهد جديد فرضته قوة المنافسين ، و ندرة المستهلكين المخلصين ، هذه لحظة فارقة في عالم التقنية ، بدلت وجه سوق الهواتف المحمولة و غيرت شكل تواصلنا إلى حد كبير هذه حكاية هواتف نوكيا.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

لنعد إلى البدايات ما هي نوكيا و من أين جاء أسمها ، في النصصف الثاني من القرن التاسع عشر و في بلدة
فنلندية اسمها Nokia استقرت منشأة متواضعة لصناعة الورق ، و اتخذت من اسم البلدة الصغيرة عنواناً لها ،
على مدار عقود حققت منشأة نوكيا نجاحا متنامياً في صناعات مختلفة من الأحذية المطاطية و إطارات
السيارات الى الكابلات و التلفزيونات ، بعد مئة و عشرين عاماً على التأسيس كانت الشركة في قمة نجاحاتها ،
و قدمت انجازات ثورية في عالم الاتصالات ، توالت النجاحات و أجرت نوكيا اول اتصال بتقنية GSM ، او النظام
العالمي للإتصالات المتنقلة التي تعد اليوم التقنية اللاسلكية الأكثر استخداما على الإطلاق ، و مع مطلع
الالفية الثالثة ، كانت إصداراتها الاكثر مبيعاً من بين العلامات التجارية للهواتف المحمولة و بإصدارها هاتف نوكيا
N90 ، المزود بكاميرا و شاشة قابلة للدوران عام 2005 كانت تحاول نقل تجربة الهاتف المحمول إلى مرحلة
جديدة لم يألفها المستخدمون حينها.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

ظلت نوكيا مستمرة بالصعود حتى اصبحت الخامسة على مستوى العلامات التجارية الاكثر قيمة في لعام
2007 ، مجدٌ لم يدم طويلاً ، بدا أن نوكيا قد وصلت القمة بأجهزتها المتينة و مواصفاتها الحديثة غير ان ثورة غير
متوقعة في تقنية الهواتف الذكية و شاشات اللمس ، كانت في طريقها إلى الاسواق و ذائقة المستهلكين.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

ستيف جوبز مؤسس شركة أبل الأمريكية يعلن عن منتجه الجديد “أيفون” ، في عرض تاريخي ، جهاز لم يكن
في الحسبان في الوقت الذي كان يعدد مواصفاته للحضور و عالم المستهلكين ، كانت سامسونج الكورية قد
تنبهت لعصر الهواتف الجديدة ، في عام 2009 أطلقت هاتفها الذكي الجديد “جالاكسي” و الذي يعمل بنظام
تشغيل “أندرويد” ، في ذلك الوقت كانت “نوكيا” تعاني من مشاكل إدارية وانقسامات داخلية حول الأولويات ،
هل تستمر في تطوير نظام التشغيل “سيمبيان” ، ليصبح موائماً لهواتف اللمس ، أم تعتمد نظام “ميجو”
المطور حديثاً تأخرت الشركة الفنلندية في تقديم إصدارات ذكية منافسة ، ضمن سوق يتجدد بسرعة لافتة ،
و فيما اعتمدت نظام ios و سامسونج بنظام أندرويد ، تشتت تركيز نوكيا على نظامين مختلفين ، لم يأخذ كل
منهما حقه في التطوير ، لتستقر الشركة الفنلندية بعدها على التركيز بعد عام 2006 على الهواتف الرخيصة
المتاحة للمستخدم العادي.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

تسبب هذا بإهمال جانب الهواتف الذكية و تطوير نظام التشغيل الذي اعتمدته لها ، إلى أن ظهر نوكيا N8 ، جهاز جديد بشاشة لمس حساسة ، أعلن عنه في أبريل ، و لكنه وصل الأسواق متأخراً في شهر أكتوبر ، حتى نهاية العام باعت نوكيا مايقارب 4 ملايين جهاز N8 ، في وقت لجأ فيه عدد أكبر من المستخدمين إلى إصدارات المنافسين ، رغم ذلك كان آيفون 4 الذي أصدرته أبل في منتصف العام مازال يتفوق على نوكيا بمراحل في الأسواق الأوروبية على وجه الخصوص.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

مفهوم جدد للهواتف بدأ بالظهور لم يعد اجراء الاتصالات او التصوير بجودة محدودة و حسب هو كل ما ينتظره
المستهلكون من اي هاتف و المتانة التي امتازت بها اصدارات نوكيا ، لم تعد كافية ، مع ثورة التطبيقات ، و
منصات الاعلام الاجتماعي ، اتخذ التواصل اشكالا عديدة و بات على شركات الهواتف ان تتماشى معها ، إلا أن
نوكيا لم تكن جاهزة لهذه المتطلبات الجديدة ، بين عامي 2012 و 2014 انهارت مبيعاتها من الهواتف ، و تربعت
سامسونج على عرش السوق ، كان الصمود مستحيلاً ، و لم تكن نوكيا الوحيدة في هذا السقوط.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة
ستيفن إيلوب

سقوط نوكيا الكبير وقع في عهد مديرها التنفيذي “ستيفن إيلوب” كان أول رجل غير فنلندي يتسلم هذا
المنصب الاداري في عام 2010 و حُملت إدارته مسؤولية الفشل ، و وجهت له اتهامات بالتآمر على نوكيا ،
لتسهيل عملية شرائها من شركة مايكروسوفت الأمريكية ، في عهد “إيلوب” تراجعت الحصة السوقية لهواتف
نوكيا الذكية من 33 في المئة إلى 3 في المئة فقط ، حتى عام 2013 ميلادي ، قيمة نوكيا السوقية انهارت و
انخفضت بمئات الملايين مع مرور كل يوم قضاه إيلوب في منصبه ، قبل الإعلان عن صفقة كبرى جديدة ، علقت
عليها الآمال ، أوائل أبريل لعام 2014 ميلادي ، شركة مايكروسوفت الأمريكية تستحوذ على وحدة الهواتف
المحمولة في شركة نوكيا الفنلندية مقابل أكثر من 7 مليارات دولار ، في وقت كانت هواتف نوكيا الذكية تعمل
بنظام التشغيل ويندوز فون ، ضمن شراكة سابقة بين الطرفين ، مايكروسوفت لوميا ، يصبح الإسم الجديد
للعلامة التجارية الخاصة بالهواتف الذكية ، و التي أعلن عنها في وقت لاحق من العام ذاته.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة
HMD

فيما تحتفظ الهواتف المحمولة التقليدية بعلامة نوكيا التجارية ، 25 ألف موظف ينتقلون من شركة نوكيا
الفنلندية لينضموا بخبراتهم و مهاراتهم إلى عائلة مايكروسوفت ، إصدارات هواتف لوميا تتوالى ، ملايين الأجهزة
الذكية تباع ، لم تستمر هواتف مايكروسوفت لأكثر من سنتين فقط ، و تعثرت مبيعات لوميا مرة أخرى ، قررت
الشركة تسريح أكثر من 1800 موظف بمن فيهم موظفوا نوكيا القدامى في فنلندا ، لكن الفنلنديين لم يقبلوا
بهذا المصير ، و عملوا على صفقة جديدة ، ستعيد اسم العلامة التجارية لنوكيا إلى السوق ، الشركة الفنلندية
تحاول النهوض من جديد ، في عام 2017 تأسست شركة HMD العالمية في فنلندا ، يقودها إداريون و خبراء
سابقون في نوكيا ، اشترت الشركة الحديثة قطاع الهواتف المحمولة من مايكروسوفت مرة أخرى ، و
استخدمت اسم نوكيا علامة تجارية لإصداراتها المقبلة ، تبنت أخيراً نظام أندرويد ، و اصدرت 6 هواتف ذكية ،
خلال أحد عشر شهراً ، إلى جانب الهواتف المحمولة التقليدية.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

و للإعلان عن عودة علامة نوكيا إلى الأسواق ، أصدرت HMD نسخة مطورة من هاتف نوكيا 3310 ، و الذي عرف
في بعض الأسواق العربية بإسم “العنيد” هاتف أيقوني متين ، حقق في نسخته الأولى عام 2000 مبيعات
قياسية ، يعيد للمستهلكين حول العالم حنينهم لهواتف نوكيا التي رافقتهم في بداية الألفية ، لم يبدو حجم
المبيعات هدفا اساسيا للنسخة الجديدة من الجهاز و انما خطوة تسويقية لجذب وسائل الاعلام العالمية و
المتعاطفين من المستهلكين مع الشركة ، رغم ذلك يقال إن صورة نوكيا في أذهان المستهلكين و المرتبطة
بالهواتف القديمة قد تؤثر على قراراتهم الشرائية ، إلى جانب تصنيع الهواتف المحمولة ، لم تتوقف نوكيا
الشركة الأم عما بدأته منذ عقود في تصنيع ما يدعم قطاعات الاتصالات حول العالم.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

و لكن ما الذي تقدمه خبرة نوكيا الطويلة في تقنيات الاتصالات في سوق الهواتف الذكية الذي يسيطر عليه
عمالقة جدد ، ما تزال شركة سامسونج الكورية الجنوبية في المقدمة ، بأجهزة جالاكسي الشهيرة ، المصنع
الأول للهواتف في العالم ، بالتزامن مع ذلك يدخل وحش جديد لسوق الهواتف الذكية إسمه هواوي ، قد يزيح
الجميع عن الواجهة هي شركة صينية متعددة الجنسيات ، تعمل منذ الثمانيات في قطاع الاتصالت ، لكنها
دخلت سوق الهواتف الذكية بقوة غير متوقعة ، في عام 2018 باعت أكثر من 200 مليون وحدة هاتفية ،
ماجعلها ثاني مزود للسوق بالهواتف الذكية بعد سامسونج و قبل آبل ، و
منذ عام 2010 تضاعفت مبيعاتها من
الأجهزة الرخيصة و المنافسة ، أكثر من 66 مرة في وقت كان فيه أبرز مصنعي الهواتف المحمولة في العالم
“سوني و موتورولا و إل جي و بلاك بيري” على وشك الاستسلام و الخروج من السوق بطريقة أو بأخرى و
السبب هي الشركات الصينية التي بدأت تسيطر على السوق بشكل تدريجي من خلال علامات تجارية عديدة
مثل شاومي و أوبو و غيرها.

نوكيا..البداية و السقوط ثم العودة

على الطرف الاخر من العالم شرع الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” ، في مواجهة ضد هواوي ، في أغسطس
عام 2018 ، وقع ترمب على قانون يتضمن منعاً للمتعاقدين مع الحكومة الأمريكية من استخدام تقنيات و معدات
الشركة الصينية ، وفرض شروط و إجراءات واسعة على استخدامها داخل الحكومة الأمريكية ، كانت المخاوف
الأمنية عنوان هذه الاجراءات ، الشركة الصينية أكدت استقلاليتها ، نافية أن تتسبب منتجاتها بمخاطر أمنية ،
رغم كل ذلك ظلت هواوي مستمرة في الصعود وزادت مبيعاتها بنسبة 25 في المئة في عام 2018 ، و رغم
مساهمة هواوي بتطوير نظام أندرويد ، أعلنت قوقل هي الأخرى عن قرارٍ قاسٍ على الشركة الصينية ،  حيث
التزمت بقرارت الرئيس الأمريكي ، و منعت هواوي من الوصول إلى تحديثات نظام أندرويد و إمكانية الوصول
إلى متجر التطبيقات ، وبريد Gmail ، قد يعني ذلك حرمان مستخدمي هواوي من تطبيقات أخرى مثل خرائط
قوقل و يوتيوب أيضاً.

بهذه الاجراءات تضمن سامسونج ان تظل الأولى كما تشير الأرقام حتى نهاية عام 2019 ميلادي ، أما هواوي
فتصبح مهددة بمصير نوكيا ، خاصة مع ترجيح بعض الخبراء باحتمال لجوئها لمنافسها الأول للحصول على نظام
تشغيل جهاز في أقرب وقت ، هو نظام تايزن ، الذي صمم أصلاً للساعات الذكية ، فيما تحدثت مصادر أخرى أكثر
موثوقية عن تطوير الصينيين لنظام تشغيل جديد لهواتف هواوي.

 

الرهان الآن على قدرة شركات الاتصالات بالوصول إلى شرائح أوسع من المستهلكين ، سامسونج اتجهت نحو
انتاج أجهزتها المتوسطة بسعر أقل من أجهزتها عالية الكفاءة ، خيار قد يمنحها الوصول إلى أسواق جديدة ،
في المقابل لم يبدو أن شركة تستعد لما هو قادم ، مع إنخفاض مبيعاتها في أواخر عام 2017 ميلادي ، لكنها
بعد عام من ذلك أصدرت جهاز أيفون XR ، في السعر المنخفض نسبياً ، رئيس الشركة التنفيذي قال إنه أكثر
طرازات أيفون شهرة ، رغم شائعات تتعلق بوتيرة بيعه البطيئة ، هي الوصفة التي اتبعها الصينيون سابقاً.

بينما تقف هذه التحديات في طريق أبرز مصنعي الهواتف حول العالم ، تستمر نوكيا العائدة للسوق من جديد ، في أصداراها الحديثة ، في فبراير من عام 2019 قدمت نوكيا اصدارها الحديث ، هاتف ذكي خماسي الكاميرات ، و لكن هل يستطيع المنافسة في سوق الهواتف الشرس ، لاتبدو الصدارة سهلة على أي من منصعي الهواتف حول العالم ، و رغم ذلك تبدو نوكيا مصرة على العودة إلى أمجاد الماضي ، بعد التراجع الهائل لسنوات ، تقول الأرقام أنها عادت لتحتل المرتبة التاسعة حالياً في السوق

في عام 2018 ، سجلت نمواً بنسبة 126 بالمئة ، عن العام الذي سبقه ، فهل تأتي الظروف الجديدة و
التضييقات التي فرضت على وحش الهواتف هواوي ، لتساعد نوكيا في إيجاد مكان لها في السوق الشرسة ،
و هل تساعدها في ذلك مزاياها المعمرة أم إنها لم تعد تفهم احتياجات المستهلكين الذي أصبحوا يتطلعون
لمرونة الاستخدام و إبهار التكنولوجيا أكثر من المتانة ، في ظل هذه المنافسة المحتدمة و التي تلعب فيها
السياسة دوراً محورياً ، يقول الكثيرون إن مايحتاجه السوق اليوم هو اختراع ثوري جديد قد يزيح ما بين أيدينا عن الواجهة ويغير من شكل التواصل بيننا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق